الشيخ محمد الصادقي الطهراني

186

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

إذاً ف « ما أنزل إليكم من ربكم » تعم إلى نازل القرآن نازل السنة القطعية ، وإلا لكان صالح التعبير « اتبعوا الكتاب » فالنازل من ربكم هو واجب الاتباع من أصل الكتاب وفرع السنة ، دون شتات الروايات المخالفة للقرآن ، أم غير ثابتة الصدور . ذلك ، فهذا السلب « ولا تتبعوا من دونه أولياء » بعد ذلك الإثبات « اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم » يحصران الاتباع المسموح في شرعة اللَّه بما أنزل اللَّه ، المحصور في الكتاب والسنة القطعية ، تمثيلًا لكلمة اللَّه « لا إله إلّا اللَّه » . ثم « لا تتبعوا من دونه » : اللَّه وكتاب اللَّه ، « أولياء » تنفي أية ولاية ربانية عن سائر الأرباب وسائر الكتابات ، فكما أنه ولي المؤمنين ، كذلك - وبأمره - كتابه وليهم الوحيد بين الكتابات . فهاهي قضية دين اللَّه - الأساسية - إنه إما اتباع خالص لما أنزل اللَّه إسلاماً - فقط - للَّه ، إفراداً له بالحاكمية الطليقة ، وإما اتباع الأولياء من دون اللّه إلحاداً فيه ، أو إشراكاً به ، أم جعلًا للبلد شطرين : عواناً بين التوحيد والإشراك ، وهذا الثالوث خارج عن اتباع ما أنزل اللَّه ، داخل في اتباع مَن دونه مِن أولياء . ولأن المحاولة ضخمة فخمة ، فقد يمضي السياق يهزُّ الضمائر ، ويوقظ السرائر ، ويرجُّ جِبِلَّات الأجيال الشاردة عن دين اللَّه ، السادرة في الجاهلية رجّاً عنيفاً ، عرضاً لمصارع الغابرين من المكذبين : وهنا في خطبة لعلي عليه السلام معتَبر لمعتبِر ، تحذيراً عن ترك الاتباع لما أنزل اللَّه : « أما بعد فإن اللَّه لم يقصم جباري دهرٍ قط إلَّا بعد تمهيل ورَخاءٍ ، ولم يَجبُر عظَم أحدٍ من الأمم إلَّا بعد أزْلٍ وبلاءٍ ، وفي دونِ ما استقبلتم من عتْبٍ ، وما استدبرتم من خطب معتَبر ، وما كل ذي قلب بلبيب ، ولا كل ذي سمع بسميع ، ولا كلُّ ذي ناظر ببصير - . فيا عجباً ومالي لا أعجب مِن خطاءِ هذه الفرق على إختلاف حججها في دينها ، لا يقتصمون أثر نبي ، ولا يقتدون بعمل وصي ، ولا يؤمنون بغيب ، ولا يعفُّون عن عيب ، يعملون في الشبهات ، ويسيرون في الشهوات ، المعروف فيهم ما عرفوا ، والمنكر عندهم